صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4146

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

«الإنتربول» ليست عرضة لخطر التحول إلى لعبة بيد بوتين

  • 30-11-2018

انتُخب قبل أيام الكوري الجنوبي كيم يونغ يانغ رئيساً جديداً للإنتربول (منظمة الشرطة الجنائية الدولية)، مما بدد مخاوف الدول الغربية التي تكتلت ضد اختيار الروسي ألكسندر بروكوبتشوك.

في تسعينيات القرن الماضي، عمل بروكوبتشوك في قسم محاربة الفساد في الشرطة الضريبية، وهي وكالة تشتهر باختلاسها وتقاضيها الرشا المتأصلين، وانتقل بعد ذلك إلى وزارة الداخلية حيث تقدّم في المراتب وأصبح لواء في الشرطة ورئيس مكتبها المركزي الوطني المسؤول عن التعاون مع الإنتربول قبل أن يشغل منصب نائب رئيس الإنتربول لأوروبا في عام 2013.

نتيجة لذلك، أدى دوراً في تفاقم استغلال روسيا الإنتربول بوضوح، وخصوصاً مذكرات التوقيف الدولية للمدرجين على قوائمها الحمراء، بغية ملاحقة المنشقين ومَن يشكلون مصدر إزعاج، بمن فيهم السياسي الإستوني ورئيس الاستخبارات السابق إريك-نيلز كروس والخبير المالي بيل برودر.

لا عجب، إذاً، أن الأصوات ارتفعت احتجاجاً على احتمال ترقيته في أوروبا، الولايات المتحدة، وغيرهما. وفي أوكرانيا، سمعنا أيضاً دعوات للانسحاب من هذه الوكالة (التي توحّد كل دول العالم تقريباً، باستثناء كوريا الشمالية). ولكن من الضروري أن نضع انتخابات الإنتربول في إطارها الصحيح.

تشكّل الإنتربول وسيط معلومات في المقام الأول، فلا تملك صلاحيات اعتقال، إلا أنها تتشاطر مع قوات الشرطة الوطنية أفضل الممارسات فضلاً عن كل المعلومات التي تريدها أو تستطيع تقديمها، لذلك يؤدي رئيسها دوراً إدارياً عموماً.

صحيح أن موسكو ربما كسبت نفوذاً أكبر بقليل عندما حاولت استغلال هذه الوكالة، إلا أن الإنتربول تظل بنية بيروقراطية يعجز فيها المدير التدخل في القضايا، أو اختيار الجواسيس، أو تسليم موسكو قاعدة بياناتها، كما خشي كثيرون.

بالإضافة إلى ذلك، كان المدير السابق مينغ هونغواي صينياً، وعلى غرار موسكو، تسعى بكين بدأب لاستغلال الإنتربول في تحقيق مصالحها، وخصوصاً ضد المنشقين اليوغور، لكن الوكالة نجحت في تخطي ذلك، وكان ستتمكن على الأرجح من الاستمرار أيضاً حتى لو ترأسها روسي.

من الضروري أن نتذكر الصلاحيات الحقيقية المحدودة التي تتمتع بها الإنتربول، حتى عندما تؤدي القضايا التي تحفزها دوافع سياسية إلى صدور إشعارات حمراء في تناقض واضح مع شرعتها، تستطيع الدول تجاهلها، كذلك من الممكن تحديها في المحاكم، لذلك تعتمد قوة الإشعارات الحمراء على مدى مصداقية الإنتربول. فكلما أساءت استعمالها قلت أهميتها.

ربما كان هذا تهديداً أكثر خطورة، إذ تقوم الإنتربول على بيروقراطية تكون أحياناً خرقاء، وتستطيع هذه الوكالة طلب المعلومات لا فرض الحصول عليها.

يُعتبر التعاون بين أجهزة الشرطة القائمة على الاتفاقات الثنائية، البنى الإقليمية (مثل اليوروبول)، وغيرها من الاتفاقات المعدة بعناية أكثر فاعلية وتفاعلاً، لكن الإنتربول تشكّل أداة تُستخدم كحل أخير، إنها طرف ثالث أو وسيط يستطيع تخطي الحواجز الجيو-سياسية.

على سبيل المثال، لا يتعدى التعاون المباشر بين أجهزة الشرطة في روسيا وبريطانيا راهناً بعض المسائل المحددة مثل الإساءة إلى الأطفال، لكن المكتب المركزي الوطني في لندن يستطيع أن يوجه طلباً إلى الإنتربول، التي تنقله بدورها إلى موسكو، وربما يلبيه الروس، لذلك يسيء كل ما يلحق الأذى بالإنتربول (ولا شك أن هذا ما كان سيفعله انتخاب بروكوبشوك) إلى مؤسسة تطبيق القانون العالمية في وقت يعجز فيه رجال الشرطة حقاً عن مجاراة المجرمين.

تتخذ الجمعية العمومية في الإنتربول، التي اجتمعت في دبي، القرارات بالاستناد إلى مبدأ أمة واحدة صوت واحد، ولو انتُخب بروكوبتشوك رغم المخاوف الغربية، فلا شك أن موسكو كانت ستستغل النتيجة في الحال لتبرهن أنها ليست دولة منبوذة معزولة، كما يصورها الغرب، وكانت هذه الخطوة ستُبرز أيضاً موجة الحكم الاستبدادي المتنامي في العالم.

قد تكون دول مثل روسيا، والصين، وتركيا من أبرز المسيئين الذين يستغلون تطبيق القانون لأغراض سياسية، ولكن ثمة كثيرون غيرهم.

إذاً، لم يكمن الخطر الحقيقي على الأرجح في أن بروكوبتشوك كان سيجعل من الإنتربول أداة هجوم بيد الكرملين، بل في أن تتحول الوكالة بحد ذاتها إلى أداة بيد الجميع، ولا شك أن النتيجة المنطقية لكل هذا ستكون تراجع الفاعلية والتقسيم، بما يسم المرحلة بأنها محزنة بالنسبة إلى عملية تطبيق القانون العالمية.

ما كان انتخاب بروكوبتشوك رئيساً جديداً للإنتربول ليحوّل وكالة دولية لتطبيق القانون إلى سلاح بيد الدولة الأمنية الروسية، لكن النتيجة كانت ستثير الشكوك حول مفاهيم الغرب عن مدى شمولية أعرافه.

* مارك غاليوتي

*«موسكو تايمز»