صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4096

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

سند الخالدي... مرثية في أحد الخالدين

  • 08-02-2019

لي مع فبراير علاقة خاصة، فهو شهر اعتدال الطقس بعد أن تكون الأرض قد انتفضت من بياتها ورمت رداء الشتاء، وهو كذلك لي كالصديق الموقظ من الغفوة، فساعة حلوله تعيد النفس إلى أرض الواقع، إلى أن الزمن لا يكف عن الحركة، وأن نشوة العام الجديد التي تبزغ مع مستهل يناير لا تفتأ تتلاشى حين ينقضي آخر أيامه، وهو لهذا أقصر الشهور عمراً وكأنما يستعجل الرحيل ليحل الذي يليه. وفبراير كذلك ذو مكانة خاصة في نفوس أهل هذا البلد، فهو سجل فخرهم وموعد عزتهم، فحين تحل أيامه يحل معها ما يعيد الأذهان إلى لحظات عظيمة لكرامة هذا الشعب وحرية أبنائه، فقبل نحو خمسين حولا كان استقلالهم وبعدها بثلاثين أخرى يوم استعادوا حريتهم وعقال رؤوسهم ممن اغتصبها من أهل العراق. لحظات عشية التحرير تلك التي يفصلنا عنها زهاء ثلاثة عقود من الزمان كانت حبلى بالأحداث، خواطر وهواجس تتوارد على الذهن بلا انقطاع، مداها بعيد لا حد له، تبدأ من مولد جديد لهذه الأمة وتنتهي بخطب جلل قد يفني الأرض ويهلك من عليها. يومها ساقت المقادير جمعا من الفتية دون ميعاد. وحين ادلهمت الخطوب وبلغ الأمر حد المخاض، وجد أولئك في بيت سند الخالدي في ضاحية صباح الناصر الأبية ملاذا آمنا ومأوى دفيئا، وكانت اللحظات التي يقضيها صاحب الدار مرحبا بضيوفه بوجه طلق ملؤه التبسم لها مفعول يبعث على الطمأنينة وتجاوز الكرب. وبين تلك اللحظات لم يكن سند هذا ليكف عن سؤال خادم له "هل أطعمت هذا؟ وهل سقيت الآخرين؟ وما حال ذلك الجار؟".

لم تشأ الأقدار أن أعرف سندا هذا عن كثب إلا في تلك الأسابيع الأخيرة من محنة احتلال الكويت، وذلك بعد أن أكملت عقدي الثاني، ومع ذلك فمذ كنت صبيا واسم ذلك الذي يدعى سند الخالدي يطرق مسامعي، ذلك لقرابة بعيدة تربطني به من جهة الأم، كان وقع سند الخالدي هذا في الأذن مميزا، يدلك بأن حديثا هنا يدور حول رجل استثنائي. أما حين ينادى بمقدمه، فحينها يدرك كل من هنالك أن رجلا كهذا يتربع فوق مقام مرموق بين الناس، أقاربا كانوا أم أجنابا؛ فهذا يفسح له في المجلس، وآخر يطيل في تحيته وثالث يلح في دعوته لوليمة تعد لمن هم في مثل قدره.

مع مضي السنين عرفت بأن سندا هذا كان أحد الناجحين، بدأ فردا عصاميا شأن الرجل كما ينبغي له، وما إن أكملت الأمور دورتها حتى أصبح أحد الميسورين ورجل أعمال باهراً بزّ كثيرين سواه في حسابات المال وإدارة العقار، وبالمناسبة لم يكن سند هذا من حملة الشهادات أيا كانت، مثلما لم يكن بحاجة إلى مثلها، وهو الذي فاق حملتها من أولئك الذين لم يفيدوا مثلما لم يستفيدوا! والحق أنني لم أخبر رجلا بمثل ذلك النجاح بتواضع سند ودماثة خلقه مع غيره، كريما كان أو وضيعا. فقد كان مع علو هامته ورفعة قدره ذا محيا لا يخالطه عبوس، طبعا أو اصطناعا، حتى أن محدثه ليتساءل مندهشا حين يرى ذلك: أحقا هذا هو سند الخالدي؟

والرجل مع علو الأخلاق لم يكن قليل بأس أو ضعيف شوكة، فلا ينسى أحد من أولئك الفتية فجر ذلك اليوم حين لم يزل الليل مرخيا سدوله الشهباء، فساعتها تفازع القوم من مهاجعهم على صياح الصائح "إن أذناب المحتلين قد اغتنموا إحدى مركبات صاحب الدار"، وحين سألنا عن سند فإذا به قد استقل أخرى يطارد بها من اعتدوا على ملك يمينه. يا لها من ساعة إقدام! أي فارس هذا الذي يكافح صفوف اللصوص منفردا؟ عاد سند صباح ذلك اليوم مكروبا بعد أن قصرت يده وقلت حيلته، وهو الذي لم يعرف في حياته الحافلة سوى الفلاح. لم أر له طوال ما أمضيته في داره من وقت وجها واجما كتلك اللحظات، ولولا حداثة عمري آنذاك وتقديري لغيرة الرجل الكريم على ماله وما كسبت يده مخضبا بعرق جبينه لقلت: "يا أبا محمد، إن رجلا بمثل معدنك لأثمن بكثير من متاع ينازعك عليه جيش العراق". ومع ذلك لم يطل عبوس الرجل، فما هي إلا ساعة حتى عاوده سروره وعاد إلى سيرته الأولى يسائل خادمه بوجه مقمر "هل أطعمت هذا، وسقيت الآخرين؟ وماذا فعل ذلك الجار؟ وهل أفرج عن الذي يليه؟".

كانت تلك اللحظات آخر عهدي بالرجل، فبعدها بوقت وجيز غادرت البلاد لسنوات لشأن لي، لم أسمع بعد ذلك بسند الخالدي، ولم أطرق له بابا في زياراتي القصيرة، وهو تقصير أسأل الله، وكيل الخالدي، عنه المغفرة! طوت السنون سندا كما شأنها مع غيره. غيبته بعد أن كان يرجو مقدم محمد. لم تجد السنون بمحمد، ولم تر النور شقيقة تحمل نبأه، وما ضر الخالدي أن أطال محمد المغيب، أو أن كل من أوتي ذرية كتب من الخالدين؟!

يأتي زمن ويمضي زمن ولا معترض على حركة الأزمان، ولكن مع حركة الزمن تبقى وجوه مضيئة، خالدة في الذهن.

أبا محمد نم، إني لفضلك لشاكر، وكذلك الرفاق في تلك الدار العامرة أحسبهم من الشاكرين!