صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4175

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الإجازات المرضية والتزوير

  • 12-03-2019

في مقابلة تلفزيونية لإحدى القيادات في ديوان الخدمة المدنية، جاء ضمن حديثها أنه تم الانتهاء من الربط الآلي لديوان الخدمة مع إدارة المنافذ التابعة لوزارة الداخلية، وأن الديوان سيخطر الجهات الإدارية في حال حصول الموظف، التابع لها، على الإجازة الطبية وهو خارج البلد.

حديث القيادية يؤكد أن موظفي ديوان الخدمة حالياً لديهم صلاحية الدخول إلى النظام الآلي لوزارة الداخلية، والاطلاع على البيانات السرية والأمنية للمواطنين والوافدين على حد سواء، وهذا الربط الآلي تبنى فرضية التزوير لكل موظف حصل على الإجازة المرضية، والقائمون على الديوان بوضعهم للنظام الحالي يرسمون نظرية جديدة في الفقه الإداري، وهي أن كل موظف حصل على الاجازة الطبية مزور إلى أن يُثبت عكس ذلك.

وحيث إن الدستور، وهو القانون الأعلى الذي يستوي على القمة في مراتب الأدوات التشريعية بالدولة، إذ يرسي الأصول والقواعد التي يقوم عليها نظام الحكم، ويقرر الحريات والحقوق العامة، ويرتب الضمانات الأساسية لحمايتها.

وجاء في مواده، ومنها ما هو مقرر في المادة 34، «المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، إلا أن الديوان اعتبر الموظف متهما حتى يثبت مقر إقامته في البلد، متجاهلا المبادئ الدستورية المقررة بأن حرية التنقل بما تشتمل عليه من حق كل شخص في الانتقال من مكان لآخر، والخروج من البلاد والعودة إليها، تعتبر فرعا من الحرية الشخصية وحقا أصيلا مقررا له حرصت معظم دستاير العالم على تأكيده وتضمينه في المواثيق الدولية.

وحيث إن النص في المادة 30 من الدستور نصت على أن الحرية الشخصية مكفولة، وما جاء في المادة 32 منه على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، وما تضمنته أيضاً المادة 33 منه على أن العقوبة شخصية، يدل على أنه وإن كانت سلطة ديوان الخدمة المدنية وفق مرسوم إنشائه رقم 15 لسنة 1979 ينص على أن يستهدف نظام الخدمة ترتيب الوظائف في الجهات الخاضعة لهذا القانون على أساس واجباتها ومسؤولياتها، إلا أن هذه السلطة محتكمة ومحددة في مهام عملها وألا تتجاوزها، وعليها أن تعمل لتتوازن بين وضع الضوابط المناسبة لتحقيق الانضباط الوظيفي وبين عدم انتهاك الحقوق الشخصية اللصيقة للفرد والاطلاع على بياناته السرية.

ولا يقتصر الأمر على الديوان، بل يتعدى ذلك إلى وزارة الداخلية أيضا، حيث كيف تُسلم الداخلية سلطة مقررة لها دستوراً وقانوناً، حيث جاء في نص المادة 39 من قانون الإجراءات الجزائية على أن الشرطة هي الجهة الإدارية المخولة بإجراء التحريات اللازمة، وجاء في المادة 40 من القانون نفسه على اختصاص الشرطة بجمع المعلومات المتعلقة بالجرائم، بمعنى عند تيقن الجهة الإدارية بوجود شبهة التزوير في الحصول على الإجازة الطبية عليها اتباع الإجراءات المحددة وفق قانون الإجراءات الجزائية، ثم تقوم الشرطة بجمع التحريات والتحقق منها، إلا أن الربط الحالي أتاح للديوان جمع التحريات والقيام بدور أمني لا يقرر له القانون ذلك.

الرغبة في منع التزوير والتلاعب في الحصول على الإجازات الطبية لا يعني إطلاقاً مخالفة المبادئ الدستورية المقررة لحريات الأفراد وانتهاك خصوصياتهم، وإطلاع جهات ليست «أمنية» على بيانات قرر القانون حفظها ومنع تداولها، تلك البيانات التي أكدتها وزارة الداخلية في بيانها المنشور في أبريل 2009، والمعمم على كل الصحف اليومية رداً على خبر صحافي حول صلاحية الاستعلام الآلي عن حركة المنافذ، إذ أوضحت، في بيانها، أن الاستعلام مقرر فقط وفقا لما يرد لها عبر كتب رسمية صادرة، إما من النيابة العامة أو المحاكم المختصة، ولا يحق للغير الاطلاع على تلك البيانات حفاظا على الحريات المكفولة بالدستور والقانون.

نقطة أخيرة: على المسؤولين، كل حسب مسؤوليته، تصحيح هذا الوضع الخاطئ تحسباً لمنع إساءة استعمال تلك الصلاحية، حيث إن القانون منح الأفراد الحماية المدنية التي تستند إلى مبدأ عام تقرره أحكام المسؤولية المدنية التي تقتضي أن يلتزم بمقتضاه كل من أحدث بفعله غير المشروع ضررا بغيره بتعويض، وبلا شك تسريب المعلومات الخاصة للأفراد يمثل ضررا جسيما يهدد حريات الأفراد وينتهك خصوصيتها، وسيعود عليهم بالتعويض المدني وفق ما تقرره المحاكم المدنية.