صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4121

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

هل تلوح الحرب مع إيران في الأفق؟

هل تؤدي أعمال عسكرية مصممة لتكون محدودة، كتكثيف الضربات الإسرائيلية للقوات الإيرانية داخل سورية أو ربما تنفيذ الولايات المتحدة هجمات عبر الحدود من العراق أو حدوث تصادم بين السفن البحرية الأميركية والإيرانية في الخليج العربي، إلى حرب أشمل؟

إليكم سؤال السياسة الخارجية الأكثر أهمية في عام 2019: هل يقوم ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذين تراجع عدد حلفائهم في الخارج، بشن حرب ضد إيران؟ وهل تؤدي أعمال عسكرية مصممة لتكون محدودة، مثل تكثيف الضربات الإسرائيلية للقوات الإيرانية داخل سورية أو ربما تنفيذ الولايات المتحدة هجمات عبر الحدود من العراق أو حدوث تصادم بين السفن البحرية الأميركية والإيرانية في الخليج العربي، إلى حرب أشمل؟

من المقلق حقاً أن الجواب «نعم» مدوية، علما أن أوروبا الغربية تعارض أي صراع مستقبلي مع إيران، ومع أن روسيا والصين ستقفان ضد عمل مماثل، ومع أن معظم خبراء السياسة الخارجية في واشنطن سيتملكهم الرعب مع اندلاع حرب مماثلة، قد تحدث.

قد تنتشر هذه الحرب بسرعة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، ولن تقتصر على المملكة العربية السعودية وإسرائيل، اللتين تمثلان قوتي المنطقة الكبريين الأشد معارضة لإيران، بل قد تشمل أيضاً العراق، وسورية، ولبنان، واليمن، ومختلف دول الخليج العربي.

في سياسة ترامب الخارجية التي لا تنفك تتقلب وتتبدل، من الصعب تمييز ما الحقيقي وما الوهمي، وما هو مجرد كلام وما هو جدي، ولكن في المسألة الإيرانية، من المنطقي أن نفترض أن ترامب، وبولتون، وبومبيو لا يخططون لنسخة محدّثة من عزو العراق الأحادي الطرف الذي أطلقه جورج بوش الابن في ربيع عام 2003.

ولكن بالمطالبة علانية بالإطاحة بالحكومة في طهران، وبالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني وإعادة فرض عقوبات كبيرة تشل اقتصاد البلد، وبتشجيع الإيرانيين على الثورة، وبدعم صراحةً مجموعات منفية عدة (وربما مجموعات إرهابية سراً)، وبالانضمام إلى إسرائيل والمملكة العربية السعودية لتشكيل ائتلاف غير رسمي مناهض لإسرائيل، يحاول هؤلاء الثلاثة بكل وضوح دفع النظام الإيراني قسراً نحو الانهيار، علماً أن هذا النظام احتفل أخيراً بالذكرى الأربعين لثورة عام 1979 الإسلامية.

ثمة ثلاث نقاط ساخنة محتملة قد تتفاقم فيها بسرعة المناوشات المحدودة، إن حصلت، لتصبح حرباً واسعة:

الأولى في سورية ولبنان. تؤدي إيران دوراً كبيراً في الدفاع عن الأسد وتجمعها روابط وثيقة مع حزب الله، وقبل أسابيع تفاخر رئيس الوزراء الإسرائيلي علانية بأن قوات بلده الجوية ضربت بنجاح أهدافاً إيرانية في سورية، لكن عشرات الضربات المماثلة، التي قلما نتنبه لها في الولايات المتحدة، تُنفَّذ منذ أكثر من سنة مع تنامي الخسائر الإيرانية.

تفادت القيادة الإيرانية حتى اليوم أي رد مباشر قد يصعّد المواجهة مع إسرائيل، كذلك تجنبت إطلاق يد حزب الله، لكن هذا الوضع قد يتبدّل إذا قرر المتشددون في إيران الرد، وإذا انفجر هذا الصراع الذي يعتمل تحت الرماد، هل يشك أحد في أن الرئيس ترامب سينضم إلى هذه المعمعة بسرعة مسانداً إسرائيل وأن الديمقراطيين في الكونغرس سيرضخون في الحال لدعوات الإدارة إلى دعم الدولة اليهودية؟

لنتأمل بعد ذلك العراق باعتباره النقطة الساخنة الثانية التي قد تشعل شرارة الصراع. في شهر فبراير، أخبر ترامب المتبجح برنامج Face Nation على شبكة CBS أنه ينوي إبقاء القوات الأميركية في العراق، موضحاً: «أريد أن أراقب قليلاً إيران لأنها المشكلة الفعلية»، لكن تعليقاته هذه لم تلقَ أصداء إيجابية بين أعضاء الطبقة السياسية العراقية، بما أن عدداً كبيراً من أحزاب هذا البلد وميليشياته ينال الدعم من إيران.

تواجه إدارة ترامب صعوبة متزايدة في العثور على حلفاء قد يرغبون في الانضمام إلى ائتلاف الدول المستعدة لمواجهة إيران، لكن العضوين المنتسبين حتى اليوم، إسرائيل والمملكة العربية السعودية، متحمسان جداً، فقد نُقل عن رئيس الوزراء نتنياهو الشهر الماضي قوله إن إسرائيل وحلفاءها من العرب يريدون حرباً مع إيران.

في لقاء القمة الأقل من ناجح الذي نظمته واشنطن في منتصف شهر فبراير في وارسو ببولندا بغية تجنيد قادة العالم في حملة مستقبلية ضد إيران، سُمع نتنياهو وهو يقول بالعبرية: «هذا لقاء علني مع ممثلي الدول العربية الأبرز الذين يجلسون إلى طاولة واحدة مع إسرائيل بغية الترويج لمصلحتنا المشتركة: الحرب ضد إيران».

صُممت قمة وارسو تلك بوضوح لبناء ائتلاف مناهض لإيران، إلا أن الكثير من حلفاء الولايات المتحدة، الذين يعارضون بشدة قرار ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، لم يريدوا أن يكون لهم أي دخل بها. وفي محاولة لاسترضاء الأوروبيين خصوصاً، أعادت الولايات المتحدة وبولندا في مفارقة واضحة تسمية هذه القمة: «الاجتماع الوزاري للترويج لمستقبل يعمه السلام والأمن في الشرق الأوسط».

ونتيجة لذلك تعرّض نائب الرئيس بنس ووزير الخارجية بومبيو للإحراج مع تخلف كثيرين عن الحضور: رفض الفرنسيون، والألمان، والاتحاد الأوروبي، من بين آخرين، صراحةً إرسال ممثلين على المستوى الوزاري، تاركين لسفرائهم في وارسو مهمة تمثليهم، وعلى نحو مماثل لم تبعث دول عربية كثيرة غير خاضعة لنفوذ المملكة العربية السعودية إلا بوفود متدنية المستوى، في حين قاطعت روسيا وتركيا القمة برمتها، عاقدتين قمة خاصة بهما التقى فيها الرئيسان بوتين ورجب طيب أردوغان الرئيس الإيراني روحاني.

لكن بنس محق بقوله إن الأوروبيين اتخذوا خطوات لإنقاذ الصفقة النووية الإيرانية، التي تُدعى خطة العمل الشاملة المشتركة، فطوروا «كياناً لأغراض خاصة» يُدعى «أداة دعم المبادلات التجارية» (INSTEX) هدفه «دعم التجارة المشروعة مع إيران»، وفق بيان صدر عن وزراء خارجية ألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا العظمى، ويعتبر بنس أن هذه قد تكون خطوة مهمة صُممت بوضوح لتجاوز العقوبات التي فرضتها واشنطن على إيران بعد انسحاب ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة.

لدعم المبادلات التجارية هدف سياسي أيضاً، فقد شكّل انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة ضربة قوية للرئيس روحاني، ووزير الخارجية جواد ظريف، وغيرهما من الوسطيين في طهران الذين كان لهم الفضل والفخر في عقد هذه الصفقة بين إيران وقوى العالم الست (الولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، وروسيا، والصين) التي وقعت هذا الاتفاق، وتعود أسباب ترحيب إيران بهذه الصفقة في جزء منها إلى أنها ضمنت، كما بدا آنذاك، قدرة هذا البلد على توسيع تجارته مع سائر دول العالم، بما فيها صادراته النفطية، من دون أن يواجه أي عقوبات.

في أواخر شهر فبراير، بدا كما لو أن ترامب، وبولتون، وبومبيو حققوا انتصاراً خطيراً عندما أعلن ظريف، وزير خارجية إيران المعروف الميال إلى الغرب، استقالته. يتعرض المعتدلون الذين يدعمون خطة العمل الشاملة المشتركة، أمثال روحاني وظريف، لهجوم من المتشددين في إيران منذ انسحاب ترامب، ونتيجة لذلك اعتُبر قرار ظريف عموماً إشارة مقلقة إلى أن أولئك المتشددين نالوا من ضحيتهم الأولى.

وساد افتراض لا أساس له عن أن إيران بحد ذاتها، من دون ظريف الذي عمل بدأب مع الأوروبيين من أجل الحفاظ على ما تبقى من الاتفاق، قد تتخلى عن الصفقة وتستأنف برنامجها النووي، ولا شك أن تصريحات بولتون، وبومبيو، وفريق عملهما زعزعت المعتدلين في إيران وقوّت في الوقت عينه يد المتشددين، الذين يقدمون للقائد الإيراني الأعلى آية الله علي جامنئي حججاً تثبت صواب رأيهم بشأن الصفقة.

ولكن رغم الضغط الداخلي الذي واجهه ظريف، تبين أن استقالته لم تدم طويلاً حيث رفضها روحاني وازداد عدد مؤيديه في مجلس الشورى الإيراني، حتى الجنرال قاسم سليماني، وهو شخصية بارزة في حرس الثورة الإسلامية في البلد وقائد فيلق القدس، أيده، ولا بد من الإشارة إلى أن فيلق القدس، أحد أذرع حرس الثورة الإيراني، مسؤول عن العمليات شبه العسكرية والاستخباراتية الخارجية في مختلف أرجاء المنطقة، وخصوصاً في العراق وسورية، وقد سمح هذا الدور لسليماني بتحمل مسؤولية الجزء الأكبر من سياسة إيران الخارجية في المنطقة، مما جعله بالتالي منافساً كبيراً لظريف. لا شك أن هذا التوتر ساهم في استقالة ظريف الوجيزة، ولن يتبدد على الأرجح في المستقبل القريب.

لكن المحللين والمعلقين يعتقدون أن هذه كانت مناورة من ظريف (وربما روحاني أيضاً) لنيل الثقة السياسية، وقد نجحت هذه الخطوة على ما يبدو في تعزيز موقفهما في الوقت الراهن.

رغم ذلك، ساهمت أزمة استقالة روحاني في إبراز التوترات العميقة في عالم السياسة الإيراني بوضوح وأثارت السؤال: في حين تسرّع إدارة ترامب جهودها ساعية وراء المواجهة، هل تلقى هذه الجهود صدى بين المتشددين الإيرانيين الذين يرغبون بشدة في خوض مواجهة مع الولايات المتحدة؟

ربما هذا ما يرمي إليه بومبيو وبولتون بالتحديد، وإذا صح ذلك فاستعدوا: تلوح في الأفق حرب أميركية أخرى من غير المرجح أن تسير بالطريقة التي يحلم بها كل مَن في واشنطن.

أزمة استقالة روحاني ساهمت في إبراز التوترات العميقة في عالم السياسة الإيراني بوضوح

انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة شكّل ضربة قوية للرئيس روحاني ووزير الخارجية جواد ظريف