صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4220

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

صعوبة توقع نتائج الانتخابات الأوكرانية

  • 25-03-2019

لا شك أن عملية انتقال سلمي للسلطة في كييف ستبرهن أن التحولات الديمقراطية في الدول السوفياتية السابقة ممكنة، فأوكرانيا وروسيا متشابهتان جداً بطرق عدة في نهاية المطاف، لكن ازدياد الوضع سوءاً في أوكرانيا عقب الانتخابات سيؤدي بالتأكيد إلى تقوية مواقف مَن يعتبرون أوكرانيا "مثالاً سيئاً" لروسيا.

يفصلنا عن الانتخابات الرئاسية الأوكرانية أقل من أسبوعين، وتُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة أن الرئيس الحالي بترو بوروشنكو، وزعيمة المعارضة يوليا تيموشنكو، ومرشح القوة الثالثة الممثل فلاديمير زيلينسكي المرشحون الأوفر حظاً في هذا السباق.

لا يتمتع أي منهم بتقدّم واضح، ويملكون جميعاً فرصة للوصول إلى الدورة الثانية من عملية الاقتراع والفوز في الانتخابات.

يواجه بوروشنكو معركة صعبة، فبعدما بدأ حملة إعادة انتخابه كقائد يفتقر إلى الشعبية، تمكن أخيراً من تحسين نسبة مؤيديه بتقديمه ضمانات على أن التبدلات التي شهدها البلد بعد عام 2014 لن تُمس إذا فاز بولاية ثانية.

يعود ذلك إلى أن أوكرانيين كثراً يخشون أن خلف بوروشنكو، في حال خسر هذا الأخير الانتخابات، لن يكون قوياً كفاية ليقاوم محاولات روسيا لإعادة أوكرانيا إلى مدار تأثيرها، مبعداً بالتالي البلد عن مساره الموالي لأوروبا.

لكن فضيحة فساد في وزارة الدفاع شوهت عهده وعززت بالتأكيد صورته كسياسي ملتزم بزيادة ثروات أصدقائه.

بالإضافة إلى ذلك، لم تُبذل جهود حقيقية لمحاربة الفساد في قطاعات أخرى، ونتيجة لذلك، تبقى أوكرانيا أحد البلدان الأكثر فساداً في أوروبا الشرقية.

لكن درب تيموشنكو لا يبدو أقل صعوبة، فبعدما خسرت سباقين رئاسيين سابقين، تشعر أن عليها الفوز بالانتخابات الحالية مهما كلف الثمن، وإلا ستفقد أهميتها كسياسية، وتكمن المشكلة في أنها تعجز على ما يبدو عن الاستقرار على رسالة واحدة.

تدعو تارةً أوكرانيا إلى السعي إلى تجديد الاقتصاد وتعمد طوراً إلى تسليط الضوء على الفقر المزمن في البلد كي تطالب بدولة اشتراكية تعاقب الطبقة الحاكمة الثرية.

هددت تيموشنكو أيضاً بشن حرب على الفساد بإقفال مطارات أوكرانيا بعد إعادة انتخابها كي لا يتمكن سلفها من الهرب إلى خارج البلد.

يبقى مصدر قوتها الأكبر عدم الرضا العام عن أداء بوروشنكو: يبدو الناس مهتمين بالتصويت ضده أكثر منه لأجلها.

في هذه الأثناء، استغل فلاديمير زيلينسكي عدم الرضا العام المنتشر بين الشعب عن أداء كل سياسيي حقبة ما بعد الاتحاد السوفياتي، ويمثل زيلينسكي الوجه الجديد على الساحة السياسية، ويبدو كثيرون ممن أحبوا برنامجه التلفزيوني الساخر (أدى فيه دور مواطن عادي يصبح رئيس أوكرانيا في موجة من المشاعر المناهضة للفساد) مستعدين لتصديق أنه قد يحقق الإنجاز ذاته في الواقع.

يأملون أن يصبح "رئيس الشعب" وأن يركب الدراجة الهوائية إلى مقر عمله، على غرار شخصيته على شاشة التلفزيون، لكن زيلينسكي لا يملك برنامجاً سياسياً واضحاً أو قاعدة شعبية محددة، حتى إنه يبدو أحياناً مبهوراً بشعبيته المفاجئة كما لو أنه لا يملك أدنى فكرة عما سيقوم به إذا فاز، ورغم ذلك يحقق التقدم الأكبر في استطلاعات الرأي.

تشكّل العلاقات مع روسيا التحدي الأكبر الذي يواجهه المرشحون كافةً، فبعدما استغل الكرملين حالة الضياع، التي سادت بعد فرار الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش السريع، لضم القرم ودعم الانفصاليين في الدونباس، لا يملك السياسيون الموالون لروسيا أي فرصة بالفوز بالرئاسة.

أما المرشح الموالي لروسيا الأوفر حظاً، فهو زعيم حزب الأقاليم السابق يوري بويكا الذي يحتل المرتبة الرابعة أو الخامسة.

وتشمل وعود المرشحين الرئيسة الترويج بثبات لمصالح أوكرانيا الوطنية بغض النظر عن الصراع الدائر في الشرق مع السعي في الوقت عينه إلى إعادة الأراضي التي خسرها الأوكرانيون من خلال المفاوضات السلمية مع روسيا، لكن قلائل يعتقدون أن هذا ممكن في الواقع.

لا تكمن المشكلة في افتقار أي من الأطراف إلى الإرادة السياسية، بل في أن الأجزاء التي يسيطر عليها الانفصاليون في الدونباس ابتعدت عن أوكرانيا على مر السنين، مما يصعّب بالتالي عملية إعادة دمجها.

علاوة على ذلك، لا ترغب موسكو في تقديم التنازلات لكييف، بل تفضّل الانتظار ريثما ترغم الاضطرابات الداخلية الرئيس الجديد على التفاوض وفق شروط روسيا.

كشف استطلاع للرأي أجراه أخيراً مركز ليفادا أن الشعب الأوكراني سئم الصراع: حيث يملك أكثر من النصف مشاعر إيجابية حيال روسيا بعد فترة طويلة من العدائية.

لكن اللافت للنظر أن ثلث الروس فقط يملكون مشاعر مماثلة تجاه جيرانهم.

بالإضافة إلى ذلك تكشف الانتخابات الأوكرانية أن نموذج العلاقات بين جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة انهار أخيراً.

خلال العقود الأولى بعد الاتحاد السوفياتي، حاولت روسيا أن تضطلع بدور مركز قوى إقليمي في أوروبا الشرقية لتكون الحَكم و"الأخ الأكبر"، غير أن أحداث عام 2014 بددت أي مكانة كانت تتحلى بها سابقاً.

تُعتبر اليوم فكرة "عالم روسي" عقيدة عدائية في السياسة الخارجة تقوّض التعاون الذي كان قائماً بين جمهوريات الاتحاد السوفياتي.

ومنذ ضم القرم، تواجه روسيا صعوبة أكبر في الحصول على ولاء حتى حلفائها القدماء أمثال روسيا البيضاء وكازاخستان، وبغض النظر عن هوية مَن يصل إلى سدة الرئاسة في كييف، لن تعود العلاقات بين أوكرانيا وروسيا إلى سابق عهدها.

في المقابل، لا تحاول روسيا عموماً التأثير في نتائج هذا السباق.

لا تملك روسيا في الواقع تأثيراً يُذكر في أوكرانيا إلا من خلال قوتها العسكرية، ففي عالم ما بعد القرم، يبدو دعم روسيا ساماً بالنسبة إلى السياسيين الأوكرانيين، في حين يُعتبر التعرض لهجمات موسكو "علامة تميّز": إذا عارضك السياسيون الروس، فلا بد من أنك تخدم مصالح أوكرانيا.

تُعتبر هذه الانتخابات مهمة لروسيا، إلا أنها مهمة لحكامها كما شعبها الذي تملكه السأم بعد سنوات طويلة من الحكم الاستبدادي.

لا شك أن عملية انتقال سلمي للسلطة في كييف ستبرهن أن التحولات الديمقراطية في الدول السوفياتية السابقة ممكنة، فأوكرانيا وروسيا متشابهتان جداً بطرق عدة في نهاية المطاف، لكن ازدياد الوضع سوءاً في أوكرانيا عقب الانتخابات سيؤدي بالتأكيد إلى تقوية مواقف مَن يعتبرون أوكرانيا "مثالاً سيئاً" لروسيا.

* كونستانتين سكوركين

* «موسكو تايمز»