صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4202

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

جن جنون المملكة المتحدة

  • 07-04-2019

تقود بريطانيا اليوم مجموعة من المتهورين: كتلة تابعة للحزب المحافظ باتت اليوم غارقة في هوسها بالانفصال عن أوروبا وحزب عمال صار ماركسياً، وإذا لم يتمكن الشعب هنا من دفع سياسييه إلى التوصل إلى تسوية أحدهم مع الآخر ومع الواقع فسنشهد انهيار النظام السياسي البريطاني.

أفادت صحيفة "بوليتيكو" أن وزيرة الشؤون الأوروبية الفرنسية، ناتالي لوازو، دعت هرها "بريكزيت" نسبةً إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأخبرت لوازو هذه الصحيفة في عددها يوم الأحد الماضي أنها اختارت له هذا الاسم لأنه "يوقظني كل صباح وهو يموء بقوة لأنه يريد الخروج، ولكن عندما أفتح له الباب يقف في الوسط متردداً، ومن ثم يرمقني بنظرات غاضبة حين أضعه خارجاً".

إن كنت لا تتقبل المزاح، يجب ألا تقصد لندن في الوقت الحالي لأنك تصادف الدعابات السياسية أينما توجهت، لكنها في الواقع ليست مضحكة، بل مأساوية، فنرى اليوم دولة مصممة على الانتحار اقتصادياً، إلا أنها تعجز عن الاتفاق على الطريقة التي ستقتل بها نفسها، ولا شك أن هذا إخفاق كبير للقيادة السياسية.

تبدو المملكة المتحدة، التي تمثل خامس أكبر اقتصاد في العالم، جادة في قرارها الخروج من الاتحاد الأوروبي، الذي يُعتبر أكبر سوق في العالم لحرية حركة السلع، ورؤوس الأموال، والخدمات، والقوى العاملة، من دون خطة مدروسة أو ربما من دون أي خطة البتة.

أتفهم مظالم كثيرين ممن صوتوا للخروج من الاتحاد الأوروبي: أولاً، شعروا أن مهاجري الاتحاد الأوروبي يُغرقونهم، فيشير بعض التقارير إلى أن نحو 300 ألف مواطن فرنسي يعيشون في لندن، مما قد يحولها إلى إحدى أكبر المدن الفرنسية في العالم.

أتفهم أيضاً استياء البريطانيين من تولي بيروقراطيين لا يعرفونهم في بروكسل مهمة وضع التنظيمات، كذلك أتفهم امتعاضهم من النخب المُدنية المعولمة، التي يعتقد مَن يعيشون في المناطق الريفية هنا أنها تنظر إليهم بتعالٍ. وأدرك أيضاً أن الاتحاد الأوروبي والمهاجرين يتحملون ظلماً اللوم بشأن تراجع أجور الطبقة العاملة هنا، تماماً كما يلوم ترامب المكسيكيين. أعي كل ما تقدّم.

لكني أعرف أيضاً ما يعنيه دور القائد في القرن الحادي والعشرين، ولا يعني بالتأكيد وضع سيادتك فوق كل الاعتبارات والانفصال عن سوق الاتحاد الأوروبي العملاقة، حيث ترسل المملكة المتحدة أكثر من 40% من صادراتها من أي نقاش وطني جاد للتكاليف والمكاسب. ما القاسم المشترك بين القادة الأكثر فاعلية اليوم؟ يستيقظون كل صباح ويطرحون على أنفسهم الأسئلة ذاتها: "ما العالم الذي أعيش فيه؟ ما الميول الأكثر بروزاً في هذا العالم؟ وكيف أثقف مواطنيّ بشأن هذا العالم وأُعيد ترتيب سياساتي لكي ينال شعبي الفائدة القصوى من هذه الميول ويتفادى تداعياتها السيئة؟".

إذاً، في أي عالم نعيش اليوم؟ أولاً، نعيش في عالم مترابط يزداد فيه اعتمادنا أحدنا على الآخر ليبلغ مستويات غير مسبوقة. في هذا العالم، يعتمد النمو أكثر فأكثر على قدرتك أنت وقدرة مجتمعك، وبلدتك، ومصنعك، ومدرستك، وبلدك على الاتصال بتيارات المعلومات والاستثمارات، التي يزداد تدفقها غزارة، من دون الاكتفاء بالاعتماد على ما نخزنه.

يشير جون هاغل، الذي يرأس راهناً مركز Center for the Edge في ديلويت، إلى أن الأعمال تمحورت على مر القرون "حول مخزونات المعرفة التي شكّلت أساس توليد القيمة، فلطالما كان مفتاح توليد قيمة اقتصادية الاستحواذ على مخزونات من المعرفة التملكية، وحماية مخزونات المعرفة هذه بشراسة، ومن ثم استخلاص القيمة الاقتصادية من مخزونات المعرفة تلك بفاعلية لنقدّمها أخيرا إلى السوق، ولكن في عالمنا السريع التبدل هذا، ينشأ تحدي تراجع قيمة مخزونات المعرفة بمعدل متسارع. لذلك يتحول المصدر الرئيس للقيمة الاقتصادية من المخزونات إلى التيارات.

ويضيف هاغل: "ستكون الشركات التي تولّد القيمة الاقتصادية الكبرى في المستقبل تلك التي تتوصل إلى طرق لتشارك بفاعلية أكبر في مجموعة أشمل من تيارات المعرفة الأكثر تنوعاً التي تستطيع إنعاش مخزوناتها من المعرفة بمعدل متسارع".

رغم ذلك، يحكم بريطانيا اليوم حزب يريد الانفصال عن عالم مترابط.

أما المسألة الثانية التي يدركها أفضل القادة، فهي أننا نعيش في عالم يشهد تسارعاً في التكنولوجيا والعولمة في آن واحد، لذلك يُعتبر إبقاء البلد منفتحاً قدر المستطاع على العدد الأكبر من التيارات مفيداً لسببين: تكون أول مَن يتنبه لكل الإشارات إلى التبدل وتتمكن من التفاعل معها، وتنجح في جذب المغامرين الأعلى ذكاء الذين يكونون عادةً مَن يؤسسون شركات جديد ويطوّرونها.

في الولايات المتحدة، مَن مدير مايكروسوفت؟ ساتيا ناديلا. ومدير غوغل؟ سوندار بيشاي، أدوبي؟ شانتانو نارين. استيقظي يا لندن! تريد المواهب الفضلى التوجه إلى الأنظمة الأكثر انفتاحاً، على صعيدي الهجرة والتجارة على حد سواء، لأنها تقدّم لهم الفرص الكبرى. لكن بريطانيا تستعد لتعليق لافتة كبيرة كتبت عليها: "ابتعدوا".

نصل الآن إلى المسألة الأخيرة التي يعرفها أفضل القادة: القليل عن التاريخ. يتقبل ترامب عالماً من القوميات الأوروبية المتنافسة لا اتحاداً أوروبياً قوياً، وينطبق الأمر عينه على فلاديمير بوتين، ويبدو أن هذا ينطبق أيضاً على مؤيدي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لكنني أتعجب من السرعة التي نسوا بها أن الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي بُنيا لتفادي هذه القومية التنافسية التي نشرت الدمار في أوروبا في القرن العشرين وقادتنا إلى حربين عالميتين.

أعتذر لأنني متشائم إلى هذا الحد، إلا أنني تابعت دراساتي العليا هنا بعدما حصلت على منحة "مارشال" من الحكومة البريطانية، وتزوجت هنا، وبدأت مسيرتي المهنية كصحافي في شارع فليت في لندن، فأنا أحب هذا المكان، لكن هذه ليست الحكومة البريطانية الكفؤة التي اعتدتها خلال نشأتي.

تقود بريطانيا اليوم مجموعة من المتهورين: كتلة تابعة للحزب المحافظ باتت اليوم غارقة في هوسها بالانفصال عن أوروبا وحزب عمال صار ماركسياً، وإذا لم يتمكن الشعب هنا من دفع سياسييه إلى التوصل إلى تسوية أحدهم مع الآخر ومع الواقع (ما زلت أرى بصيص أمل يجعلني أرجو حدوث ذلك)، فسنشهد انهيار النظام السياسي البريطاني وما يرافقه من آلام اقتصادية خطيرة، وهذا مخيف بالتأكيد.

* توماس فريدمان

* «نيويورك تايمز»