صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4222

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

ما قــل ودل: على هامش دور الانعقاد الثالث (1 من 2)

  • 14-07-2019

إن تعديل مجلس 2013 لقانون المحكمة الدستورية، بتوسيع رقابتها على دستورية القوانين كان إنجازا تاريخيا على كل برلمانات العالم في الوقت الذي تقاوم فيه أغلب البرلمانات هذه الرقابة وأي توسع فيها، لأن مجلس الأمة انفرد دون سائر برلمانات العالم بأنه انتصف من نفسه للشرعية الدستورية وللمحكمة الدستورية في هذه المعادلة الصعبة.

المنظومة التشريعية

لم تكن هذه المنظومة أكثر حظاً من منظومة الرقابة البرلمانية في التحليلات والتعليقات، لا بل الانتقادات التي وجهت إلى المنظومتين، ولكن ما أعجبني من هذا كله كلمة وقلم، أما الكلمة فكانت لرئيس مجلس الأمة الموقر السيد مرزوق الغانم في حفل جمعية المحامين بمناسبة صدور قانون المحاماة الجديد، أما القلم فهو مقال سطره السيد محمد الرويحل أحد كتاب «الجريدة» تحت عنوان يحمل سؤالا مهما هو: «نائبنا أم نائب الأمة؟».

فقد حرص رئيس المجلس على أن يعلو بكلمته على الانتقادات التي وجهت إلى المجلس من داخله وخارجه ولخص رؤياه للمنظومة التشريعية الديمقراطية بمعناها الجامع والأشمل، بأنها لا تقوم إلا بتعاون منظمات المجتمع المدني مع المجلس والحكومة، لتحقيق الإنجاز الأفضل والتشريع الأسلم، وإذا كان للأغلبية قرارها فللأقلية حقوقها، مشيراً إلى تصويته بعدم الموافقة على نص تشريعي في قانون المحاماة، ومؤكداً في الوقت ذاته على أن الخمسين نائباً لو اجتمعوا على إقرار قانون، فإنهم لن يستطيعوا المساس بحق دستوري من حقوق المواطن، مشيراً إلى الإنجاز التاريخي لمجلس 2013، بتعديل قانون المحكمة الدستورية والذي أصبح بموجبه من حق كل شخص الطعن في أي قانون بدعوى أصلية مباشرة أمام المحكمة الدستورية.

وبهذه الرؤية الجامعة المانعة للرئيس للمنظومة التشريعية ديمقراطياً لم يلق الرئيس اللوم على أحد كما يفعل البعض، مرتفعاً بقامته عن ذلك، وجنبنا في الوقت ذاته مشاركته وهو يدير دفة المجلس، فيما كان يتحمل من عناء تلاطم الأمواج، ويلقى من مشقة الأنواء، ويذوق من مرارة الصبر والمصابر ومطاولة التحديات التي تواجه أمتنا العربية في هذه الظروف الإقليمية الدقيقة، للوصول بالمجلس والبلد إلى بر الأمان.

إنجاز على كل البرلمانات

والواقع أن تعديل مجلس 2013 لقانون المحكمة الدستورية، بتوسيع رقابتها على دستورية القوانين كان إنجازا تاريخيا على كل برلمانات العالم في الوقت الذي تقاوم فيه أغلب البرلمانات هذه الرقابة، وأي توسع فيها، لأن مجلس الأمة انفرد دون سائر برلمانات العالم بأنه انتصف من نفسه للشرعية الدستورية وللمحكمة الدستورية في المعادلة الصعبة، وهي التوفيق بين مبدأ سيادة الدستور، الذي تصونه المحكمة الدستورية، ومبدأ سيادة الأمة من خلال ممثليها في المجلس، في ما يقرونه من تشريعات، ذلك أن الرقابة القضائية على دستورية القوانين هي رقابة هدفها حماية الشرعية الدستورية، من افتئات أي أغلبية برلمانية في أي برلمان على هذه الشرعية.

نائبنا أم نائب الأمة؟

أما القلم الذي استوقفني فهو المقال الذي حمل هذا السؤال عنوانا له، ومن منظور دستوري، فقد وفق في الإجابة عن السؤال الذي طرحه، بما قرره من أن النائب يمثل الأمة بأسرها على سند من المادة 108 من الدستور والقسم الذي أقسمه النواب.

وأستميح كاتبنا عذراً في أن أستكمل ما بدأه في تناول المصلحة العامة في مفهوم المادة (6) من الدستور التي تعتبر المادة 108 تطبيقا لها؟ ثم هذا المفهوم في المادة 108.

تحقيق المصلحة العامة

وهو الغاية الأساسية والنهائية لكل تصرفات سلطات الدولة، فلا يجوز لأي من هذه السلطات أن تخرج على هذه الغاية، ذلك أن صلاحيات أي سلطة، من سلطات الدولة، ليس بغاية في ذاتها، بل وسيلة لتحقيق الغرض منها، فضلا عن المصلحة العامة التي يجب أن تتغياها كل سلطة، وعلى رأسها السلطة التشريعية.

وتحقيق المصلحة العامة، كهدف تتغياه كل سلطة من سلطات الدولة، لا يحتاج إلى نص يقرره، بل هو هدف تلتزم كل سلطة بتحقيقه في ما تمارسه من صلاحيات.

ومع ذلك فقد حرص الدستور على أن يقنن هذا المبدأ، وهو تحقيق المصلحة العامة بالنسبة إلى سلطات الدولة كافة في المادة (6) من الدستور، وعاد لتأكيد هذا المبدأ بالنسبة إلى السلطة التشريعية في المادة (108).

ونتناول مفهوم المصلحة العامة في هاتين المادتين فيما يلي:

مفهوم المادة (6) للمصلحة العامة

وهو مفهوم يتسع لمصلحة الأمة كلها، بماضيها وحاضرها وأجيالها القادمة، ولا يقتصر على بقعة معينة من إقليم الدولة، أو جيل بعينه، أو فئة بذاتها، حيث تنص على أن «نظام الحكم في الكويت ديمقراطي السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعا، وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين في الدستور».

وقد تبوأ مبدأ سيادة الأمة مكانه اللائق به في نظرية العقد الاجتماعي، حيث يقول جان جاك روسو، مؤسس هذه النظرية، إن الأمة في ممارسة سيادتها طبقا لهذا المبدأ وحدة واحدة لا تتجزأ، ولو مارستها من خلال حاكم فرد أو جماعة، ولا تعلو إرادة الفرد على إرادة الأمة صاحبة السيادة، ولو كان وكيلا عنها أو ممثلا لها.

ويقرر الفقيه الدستوري الراحل د. ثروت بدوي في كتابه النظم السياسية– الجزء الأول النظرية العامة للنظم السياسية ط1964-ص187-219، أن الأمة باعتبارها وحدة واحدة مجردة لا تقتصر على جيل بعينه في فترة معينة، إنما هي امتداد لأجيال قديمة، وهي في حاضرها تراعي الأجيال القادمة وتدخلها في حسابها في كل تصرفاتها، ولهذا فإن مصلحة الأمة تهيمن على كل سلطات الدولة فيما تمارسه من صلاحيات، وعلى رأسها السلطة التشريعية، لأن سلامة الأمة فوق القانون، وهي قاعدة موغلة في القدم ترجع إلى القانون الروماني.

ونستكمل في المقال القادم بإذن الله مفهوم المادة (108) من الدستور للمصلحة العامة.