الإمارات... الكلمة تجمعنا

  • 13-03-2019

لم تكن شعوب العالم في وصلٍ بعضها مع بعض كما هو حادث اليوم. ولقد نتج هذا عن ثورة المعلومات ممثلة بالمواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي من جهة، وسرعة الانتقال في المكان من جهة أخرى. وبات مألوفاً أن يتناول المرء فطوره في قارة آسيا، ليتغدى في قارة أوروبا، وربما يتعشى في إفريقيا. وما بات مألوفاً أكثر هو هذا الوصل الإنساني العنكبوتي بين سائر البشر عبر فضاء العالم الافتراضي. فالبشر في كل مكان يترجمون بسلوكهم مقولة: "العالم قرية كونية"، كأصدق ما تكون الترجمة الفعلية على أرض الواقع.

مهرجان طيران الإمارات للآداب في دورته الحادية عشرة، وانطلاقاً من عنوان دورته "الكلمة تجمعنا"، برهن على صغر العالم، وعلى قدرة الكلمة العجيبة على أن تجمع حول مائدتها أطياف البشر، من مختلف القارات والتوجهات والأفكار والأجناس. قرابة (280) كاتباً ومفكراً في مختلف شؤون الحياة، بدءاً بالإبداع: قصة ورواية وشعراً، مروراً بعلوم الحياة: الفيزياء والكيمياء والأحياء والفضاء. الجميع، يلتقي ويتحاور ويتبادل الرأي والنقاش والتجربة في وصل سلام واحترام، وسط جمهور كبير من مختلف شرائح المجتمع وجنسياته في دبي خاصة وباقي الإمارات عامة.

مبادرة رائعة أن تباشر إحدى أهم الشركات الوطنية في أي دولة تبني فعالية إبداعية ثقافية إنسانية عربية عالمية، وتسخّر لها كل الإمكانات الممكنة. ويبدو أن تجربة مهرجان طيران الإمارات للآداب التي امتدت على ما يزيد على العقد من الزمن كانت كفيلة بضمان نجاح هذه الاحتفالية. ولقد كان لافتاً إصرار السادة أعضاء مجلس الأمناء على أن يكونوا جزءاً أساسياً وفاعلاً في هذه الاحتفالية، بدءاً من حضور سمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم، رئيس هيئة دبي للطيران المدني، رئيس مؤسسة الإمارات للآداب، مروراً بالسيدة إيزابيل أبو الهول، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة الإمارات للآداب باهتمامها وتفقدها ووقوفها الشخصي على كل صغيرة وكبيرة في المهرجان، وحضور ونقاش الأصدقاء: محمد المر والدكتورة رفيعة غباش، وانتهاء بمديرة المهرجان الأستاذة أحلام بولكي، التي قدمت وجهاً مشرقاً وعصرياً للفتاة الإماراتية القادرة على إدارة المهرجان والوصول به إلى بر الأمان كأهدأ وأجمل ما يكون ذلك.

إن الحضور في التظاهرات الإبداعية والثقافية عربياً وعالمياً صار أهم سمة للتواصل مع الفكر الآخر، والقناعة الأخرى، والرأي الآخر، وأخيراً مع التجربة المغايرة القادمة من مجتمعات متباينة في وعيها وقناعاتها وسلوكها. فتواصل المبدع العربي روائياً وقاصاً وناقداً ومفكراً وفناناً تشكيلياً ومسرحياً مع الآخر القادم من أوروبا وأميركا وشرق آسيا وجنوبها، هذا الاحتكاك بقدر ما يغذي ويغني التجربة الشخصية للمبدع والمفكر العربي، بقدر ما يقدم له جسراً ممهداً للتواصل مع الآخر، وفتح نافذة مشرعة على أي مشروع فكري إبداعي مستقبلي.

نحن في أقطار الوطن العربي، تأكلنا وحشة الراهن بحروبه وخلافاته ومضايقاته اليومية القاتلة، لم يبق لنا سوى

فسحة الفكر وفسحة الإبداع وفسحة الوصل مع الآخر، وتحديداً ذاك الآخر القادم بتجربة مغايرة واستعداد جميل

للحوار والنقاش وتبادل المعرفة. وربما كانت مشاركة دور النشر الأجنبية على سبيل المثال، خير مثال على ما يمكن أن يشكّل فرصة سانحة لترجمة إبداع الكاتب العربي، ثم نشره على الضفة الأخرى من العالم، أياً كان بُعد تلك الضفة.

صعب جداً إن لم يكن مستحيلاً وقوف العربي في مقارنة مع التقدم الفكري والتكنولوجي والتقني الذي يعيشه مواطن الدول الأجنبية، في أوروبا وأميركا ودول شرق آسيا. لكن هذه المقارنة تصبح ممكنة فقط بوقوف الكاتب المبدع العربي إلى جانب أي كاتب عالمي، والتشكيلي المبدع العربي إلى جانب أي تشكيلي آخر، وكذا الموسيقي والمسرحي. وهذا يقول بشكل واضح: إذا كان التناحر والتأخر السياسي والعسكري والاقتصادي والاجتماعي قد شلَّ قدرات الشعوب العربية، فإن النخبة المفكرة والمبدعة وحدها كُتبت لها النجاة الصعبة من تنور هذا الواقع المر. وإن هذه النخب لا تجد فرصاً أفضل من التواصل مع الآخر إلا عبر التظاهرات الفكرية والأدبية، ومؤكد أن "طيران الإمارات للآداب" هو إحدى هذه التظاهرات المهمة.